رؤية استشرافية لمراكز الدراسات الاسلامية

1
الکاتب: 
جهاد العايش آل عملة

رؤية استشرافية لمراكز الدراسات الإسلامية

     ليس من الحصافة بمكان أن نلجأ إلى مراكز الدراسات تأسيسا أو طلبا للمشورة عند نزول المدلهمّات  ولكن الفطنة تقتضي أن يكون ذلك كله قبل النوازل ووقوع الكوارث السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية أو الإقتصادية  أو غيرها , ولقد بادر البعض لمراكز الدراسات كردة فعل , لأن أغلب مراكز دراساتنا لم تعط الفرصة الكافية أو الدعم المناسب لتحقق أمنياتها , بيد أننا نجد أن بعضا منها ومع قلة الإمكانيات صنع المعجزات وكان له الأثر الواضح في تغيير القناعات وترشيد المسارات , بل وكثير من هذه المراكز نشأت في ظل ظروف صعبة للغاية في دول بوليسية تحارب وتحاسب على الكلمة.

 غير أن كثيرا من مراكز الدراسات الاسلامية تحديدا انضوت ولأسباب أهمها الاستبداد في فرض الرأي الواحد وعدم تحمل النقد  في أعمالها تحت غطاءات وترخيصات لا تحمل في مضمونها طبيعة النشاط الذي من أجله تم تأسيسها  كدور النشر أو المكتبات أو حتى تسجيلات صوتية  أو تحت مظلة شركات تجارية , بل ومنهم من عمل تحت غطاء  وتراخيص مكاتب خارجية كأفرع لمجلات  مرخصة في دول أروبية , ومنهم من ارتضى أن يقوم على تأسيس وترخيص مركزه في دولة أروبية, ليعمل بعيدا عن قطره العربي الذي يحارب فيه  ويخشى كل رؤية مهما صغرت !!

ومع كل ما سبق فلست متشائما أبدا من مستقبل مراكز الدراسات في عالمنا العربي والإسلامي وأول علامات هذا التفاؤل بزوغ نجم مراكز الدراسات الاسلامية  لا سيما أنها كانت  يوما ما في عالم النسيان , وبدأت تأخذ ما يتناسب مع امكانياتها وحاجاتها الفعلية والشعور السائد عند البعض بأهمية هذه المراكز، والحاجة الماسة لها مع قناعة  القائمين عليها ومدى حاجة الأمة لهذه الجهود ومهما تعددت فالرقع كبير ومتعدد،والخطب جلل متشعب, وبما أنها بدأت بممارسة مهامها أو جزءا  منها فان إخلاصها ومثابرتها لتحقيق أهدافها لهما كفيلان بالنجاح , والمهم أن نحقق أمر الله تبارك وتعالى في قوله : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم  ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون )التوبة : 105

ولا بد لي أن ألفت إلى شريحة من مراكز الدراسات  لا يستهان بعددها , اتخذت من التراخيص الممنوحة لمراكز ومعاهد البحث والدراسة مبررا لوجودها وغطاءً لنشاطاتها الدعوية والحزبية أو الخيرية الإغاثية أحيانا , ولا يمكن لنا أن نجعلها في قائمة مراكز الدراسات بالمهنية والحرفية الموسومة  بها مراكز الدراسات ,  بيد أنك تلحظ كثيرا من نشاطات هذا الصنف من المراكز ليست له علاقة من قريب ولا من بعيد في عمل مراكز الأبحاث  وليس للقائمين عليها خبرة في مجال البحث والدراسة , غير أن هذه الكيانات الدعوية أو الحزبية غاية ما استطاعت أن تحصل عليه هو الغطاء لعملها الحزبي أو الجماعي أو النقابي وهي بلا شك  معذورة في ذلك .

غير أني في هذا المقام لن أجلد الذات ولن أصوب سهام النقد واللّذع إلى مراكز الدراسات الإسلامية التي أرى أنها لا زالت بجملتها في مراحلها الأولى، ولم تستكمل البناء ولم يشتد عودها بعد ولم يتذوق  حلاوة انجازاتها المستهدفون من أدائها وثمراتها, ولكني سأجعل من هذه الكلمات شمعة تضيء وتدفع بمراكزنا وبكل تفاؤل نحو الأمام.

*سبل النهضة بمراكز الأبحاث والدراسات العربية والإسلامية :

1ـ وجود النية الصادقة لبناء وتطوير مراكز الدراسات, فقد أخبر عمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أنه قال: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى  فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"[1].

   2ـ  التعامل مع مراكز الدراسات على أنها ضرورة ملحة و ليس من باب الترف الفكري أو على أنه منتدى فكري للسفسطائيين الجدليين.

3ـ  التحرر من النمذجة والقولبة , الغربية الكاملة  في الطرح لأنها سببت عقدة نقص  عند كثير من قومنا, حتى كادوا يعتقدون  أن كل ما يأتينا من الغرب لا يعتريه الشك  ,ولهذا فلا بد أن تكون روح دراساتنا في مراكزنا ومعاهد أبحاثنا  مستلهمة من الشريعة الإسلامية.

4ـ النظر في "القرآن الكريم" و سنة النبي صلى الله عليه وسلم ,  واستلهام  العبر من أفعال النبيين و سير الأولين , ففيها من القواعد وأسس العمل الإداري والفكر الإستراتيجي والرؤى الاستشرافية لصناعة المستقبل ما يميزنا ويثري فكرنا ويسهم باستشراف مستقبل واضح المعالم , وإن مدخلات  صناعة المستقبل وأنماطه المتنوعة ( التنبؤي والثقافي والنقدي ) وغيرها على خلاف في الرأي حولها , لا تتعارض بجملتها مع الدين أبدا , ولو كان المقام يتسع لضربنا الشيء الكثير على ذلك من أمثلة في الكتاب والسنة وفعل السلف.

5ـ الرجوع إلى كتب الأولين من العرب والمسلمين،والتي قامت على حضارة بناء الإنسان عقديا وفكريا وسلوكيا قبل بناء وتشييد البنيان.

6ـ التحول السريع من رصد الأحداث إلى دراستها وتحليلها وإيجاد الحلول والتوصيات الكفيلة بتجاوز الأزمات .

7ـ التحول من قراءة الأحداث إلى صناعة الأحداث, ومن الدفاع إلى الهجوم, ومن الحديث عن الماضي إلى الحديث عن الحاضر و المستقبل.

8ـ الدعوة إلى تأسيس رابطة أو كيان يجمع تحت مظلته جميع مراكز الدراسات العربية والإسلامية تحت اسم " رابطة صناع الفكر "  بحيث تشكل قوة تسعى بجملتها إلى ترشيد ودعم وشحذ المنتسبين إليها , وتتحالف فيه قواهم ضد أعدائهم المتربصين بالمشروع الإسلامي , كما تسهم بمجموعها إلى فرض آرائها لتكون واقعا عمليا ملموسا بإذن الله تعالى .

*من سمات مراكز الدراسات المتكاملة:

1-الاستقلالية المالية أو الدعم المالي الغير مشروط أو الغير موجه بأي شكل من الأشكال.

2-وضوح الفكرة وعدم الخروج عنها أو التقلب في تبني الدراسات البعيدة عن الاختصاص .

3-فاعلية ومنطقية  الإنتاج البحثي القائم على الأسس العلمية , والقابل للتطبيق على أرض الواقع .

4-المساهمة في تنشيط ومعالجة "الكسل أو الخمول الفكري" أو السطحية و السذاجة التي تغرق بها كثير من شرائح مجتمعاتنا دون استثناء , و تغيير أو استبدال معالم الفشل الفكري إلى الأفضل وإمكانية ترجمته إلى واقع عملي وملامسة اثر المركز في المجتمع أو الأمة ووضع معايير لقياسه في الأمة , على مستوى قادتها والقائمين على كل شؤون دينها ودنياها .

5- الحرية في التعبير عن الفكرة بكامل أبعادها ما دامت انها لم نخرج عن الضوابط الشرعية و بعيدا عن ضغوط البلد المستضيف أو توجيهاته التي قد تخالف المعيارية والمهنية  " فإن لم تقل الحق فلا تقل الباطل ".

6-التقييم والتقويم المستمر بشفافية عالية لأعمال المركز ومشروعاته , والأكمل في ذلك أن يكون من جهات  محايدة .

7-البعد عن الشخصانية  والمزاجية والانشغال في بناء الذات على حساب هذه المؤسسات  , كما أنها يجب أن تكون عملا جماعيا.

8-الوصول لمرحلة التأثير في صناعة القرار السياسي والتوجيه الاجتماعي وغير ذلك من مستهدفات حددها المركز لنفسه , وإلاّ فلا قيمة لمركز ليس له أي تأثير على أرض الواقع في رسالة  وهدف غير واضحان المعالم .

9- قياس مخرجات المركز ومدى تأثيرها على صناع القرار أو الإعلام أو الجماهير وشرائحه المستهدفة.

10- تكمن قوة المركز بقدر ما يملك من أدوات و قنوات للتأثير على الساحة والشريحة المستهدفة.

11-الوصول لمرحلة الشعور بالحاجة الملحة من الجهات الرسمية وصناع القرار بأهمية الرجوع لمراكز الدراسات والبحث لتبني دراساتها وبحوثها ,وتكليف هذه المراكز رسميا بدور الاستشارة الفعلية .

12-أن تعمل مراكز الدراسات وأن تخطط لصياغة الأساليب والطرق التي تسهم في بناء ثقة  مؤسسات صناعة القرار الرسمية  بها وبما يصدر عنها ومنها كمستخرجات استشرافية ثاقبة الرؤية .

13-أن تتحول مراكز الدراسات من مرحلة رصد الحدث و نتائجه وتشخيصه فقط, إلى استشراف مرحلة ما قبل وقوع الحدث بزمن و قراءة ما بين سطور الحدث بعد وقوعه, وأن لا تتعامل مع الحدث بسطحية وثقة مطلقة مهما كان الحدث ونوعه ومن وراءه.

*مد الجسور مع صنّاع القرار:

    لا أعرف بمستوى علمي القاصر ثمة مركز أبحاث  إسلامي أو عربي نقي  مستقل يعمل كمصدر إرشادي لصنّاع القرار في عالمنا العربي والإسلامي ،ولن أضيق مصطلح صناع القرار لأحصره فقط في الساسة بل لنا أن نشمل به كبار الدعاة وقادة الجماعات والجمعيات الإسلامية والخيرية والنقابية والحزبية بأنواعها , بل  وكبار التجار والمصنعيين ,  ولن استنزف الجهد والوقت في ذكر أسباب ذلك , ولكني أرى أن نطرح بعض  الحلول :

يجب أن يعلم أننا في مراكز الدراسات تقدم أو تسوق "سلعة " وهذه السلعة  هي "الفكر" وهذا بحاجة إلى جهد تسويقي  شاق فمشاريع الفكر ليست كتلة أو جسم يمكن لعامة الناس تقييم ألوانه وتناسقها أو مدى جودت ودقة صناعته أو متانتها ،فمقاييسها لا يحسنها إلا نفر قليل جدا من أهل الفكر والاختصاص ,فهي سلعة من الصعب بذلها بين عموم الناس طلبا في تقييمها.

وحتى نحقق النجاح بامتياز لاستجلاب ثقة صنّاع القرار بأنواعهم وتحقيق منتج فكري عالي الجودة علينا أن   نملك خزّانا وأرشيفا ضخما من الأفكار والدراسات والإحصاءات والإستبانات والاستقصاءات والاستشرافات التي قامت على فكر منهجي وبحثي أصيل ومنافس, وكل ذلك يلزم منه:

  1. تحسين المنتج الفكري وفق الأطر والقواعد العلمية التي لا تقبل أن يعتريها النقص أو الشوائب, ولا تسمح بسهولة نقدها أو تخطئتها . 
  2. اختيار أحسن المطابخ الفكرية وأجودها والتي تستخدم أحدث الطرق العلمية البحثيةوالتقنية .
  3. الاستعانة بأمهر صناع الفكر وأحسنهم سمعة وأبرأهم ذمة وأقربهم إلى الله تعالى وأكثرهم خشية .
  4. تحسين الشكل العام للمنتج أوالدراسة وطباعتها في أجود المطابع وأرقى التصاميم وأحسن الخطوط.
  5. طرق أبواب المسؤولين وكبار العلماء والمفكرين ،وأخذ آرائهم قبل الدراسة وبعدها من خلال اطلاعهم على مدى نسبة تحقق الدراسة واقعيا , والتحاور والتشاور معهم بشأن تفعيل نتاج الدراسة من خلال ورش عمل وحلقات نقاشية .
  6. إيصال رسالة واضحة لصنّاع القرار أن لا مفر من مراكز الدراسات إلا إليها , وذلك من خلال بناء الثقة عند أصحاب القرار على مقدرة مراكز الدراسات المحلية والإسلامية تحديدا على التنبؤ بالمستقبل والثقة في البرامج والخطط الفاعلة في إدارة الأزمات والتنبؤ بها سلفا.
  7. مطالبة الحكومات – ولن يكون ذلك إلا بعد ثقة الحكومات بهذه المراكز – أن تفتح المجال لمراكز الدراسات المحلية الصادقة والمحترفة منها فقط ,فتح أبواب أرشيف بعض وزارات الدولة كل حسب تخصصه , الصادر عنها والواردة إليها من مراسلات واستكتابات هامة تختصر الطريق على هذه المراكز , وتسهم في تزويدهم بأهم المعلومات التي تساعد المراكز في تقديم احسن الرؤى المبنية على معلومات وليس تحليلات واستقراءات .
  8. ايصال رسائل هامة بين الحين والحين دون كلل أو ملل إلى الجهات الرسمية بأن مراكز الدراسات ومؤسسات الدولة الرسمية شركاء في حمل الهم وتبعاته وأنه لا ينبغي أبدا تغافل هذه المراكز لأنها تعمل جنبا إلى جنب في  خندق واحد مع دولنا , ومهما تباينت وجهات النظر ولا ينبغي أن يكون الخطاب نحن وهم خاصة في هذه المراحل الشائكة والتي تكالب على أمتنا كل ألوان الكفر والفساد, ولا زلنا نتمنى على دولنا أن تعي ذلك قبل فوات الأوان.

*محاذير على مراكز الدراسات والقائمين عليها,  تجنبها:

  1. التمويل أو الدعم المشروط أو المشبوه  الذي به تم اختراق كثير من مراكز الدراسات العربية وكانت به متجرا لبيع العقول العربية للغرب الكافر المتربص بالمسلمين وحضاراتهم .
  2. التشعب في التخصصات و عشوائية البرامج و الأعمال فإنها تفقد التخصصية والإبداع والتميز في الطرح.
  3. عدم تبني الشخصيات الإدارية أو البحثية المشبوهة أو المطعون في دينها أو ذمتها .
  4. تجنيبها أصحاب القوالب الفكرية , أو بليدوا الأفكار والمشاعر والهموم , أو سطحيوا الرؤية فإن نصف المشاكل الداخلية في  الصحوة الإسلامية من هؤلاء .
  5. الحذر من تكييف الدراسات  والبحوث لمجاملة الداعمين .

الخلاصة:

- أن الباحثين والمستشرفين الغربيين  ومؤسساتهم البحثية  مؤسسات تحظى بالصفة الدبلوماسية والرعاية من الجهات العليا في دولهم فهل كان لمستشرفينا أفرادا أو مؤسسات ذلك أو أقله عدم ملاحقتهم .

-ان الدول الغربية  ما قامت حضارتها ، وارتقت معارفها، إلاّ بسبب  هؤلاء البروفسورات ومراكز بحثهم, والمساحة الواسعة من الصلاحيات والدعم الممنوح  لهم .

- وإننا نقول بإنه ليس من الصعب أن نَكونَ أو نُكوِّن جيشاً من البروفسورات والباحثين , لمواجهة الآلة الفكرية الغربية وأكاذيبها  .

- مراكز الأبحاث هي ضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله ، ومقدمة لدحر العدو عن عالمنا الإسلامي , وعلينا أن نسعى لتأسيس  جيش من  البروفسورات والمفكرين الإسلاميين  , وكل منا عليه أن يقف على ثغر وان ينافح من خلال  تخصص يبذل نفسه وعمره وماله فيه , فعلى المانحين من تجار ومحسنين وجمعيات خيرية اغاثية فكما أنكم حريصون على إنقاذ وإغاثة البطون من الجوع فإنه يلزم معها أن نغيث عقول وعقيدة وسلوك الأمة من مزيد من الضياع. 

 ونحن نأسف كل الأسف ومعه الأسى والحسرة  حينما نرى هذه الجهود  الصليبية و اليهودية  المبذولة في العالم لدعم مراكزهم  بشتى أنواع الدعم اللامحدود , ونرى في المقابل الجهود الحثيثة لملاحقة الفكرة وصاحبها ومطبخها الفكري الذي تصدر عنه  , ويجرى عليهم  وعليها أنواع من العقوبات , ومع ما سبق  وبكل ثقة ويقين سنجد من يستجيب لصدى هذه الكلمات , ويسهم في هذا البناء العظيم !

والحمد لله رب العالمين ,,,

   جهاد العايش  

Jehad67@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] أخرجه البخاري